مرايا الزمهرير بقلم: د.عبدالكريم الحلو





مرايا الزمهرير

د.عبدالكريم الحلو


( ١ )

سياج بيتي

يتذكّر ظهري

حين أتكئ عليه،

يلسعني البرد

يحرق جلدي،


( ٢ )

هذا البرد

يعرف طريقه

إلى ذاكرتي

يدخل قفص القلب

يفتح أدراج الذكرى

ويغوص في دهاليز الروح

ينبش جروح العمر

جرحًا… جرحًا


( ٣ )

أنا لا أحب البرد

ففيه تتجمّد أحلام العمر

ويبقى حلم الدفء

أجمل أحلامي

وأبعدها


( ٤ )

هذا البرد

يفتش بين اضلعي

مثل مخبرٍ قديم،

في دفاتر الحب

عن ومضة دفء

كنتُ قد خبّأتها

ودثّرتها

وواريتها التراب

وأقمتُ فوقها شاهدةً

اسمها

سارية الوطن


( ٥ )

في البرد

كل شيء له صوت ولون

لحسرات الروح صوت

وللوجع لونٌ أزرق

لا تخطئه العين


( ٦ )

في هذا البرد

كلّ الكائنات الحية بلا صوت،

إلّا شواهد القبور

لها صرير خاص

النافذة تئنّ

من زمهرير البرد

والأشجار تصرخ

في صفير الريح

كأنّها تنعى العصافير


( ٧ )

هذا البرد

عدوٌّ آخر للجندي

يتسلّل إلى الخنادق

قبل الرصاص

يجمّد الأصابع

ويعلّم البنادق

كيف تصمت طويلًا


( ٨ )

البرد

هذا القاتل السري أمقته

لأنّه يسرق أرواح الأجداد

ولا يترك منهم

سوى أسماء

على شواهد باردة


( ٩ )

هذا البرد

يسرق قصص الجدّات

يُطفئ مواقد الحكايات

ويُسكت الأيدي

التي كانت تخيط الدفءَ

من الصبر

والدعاء


( ١٠ )

في البرد

تصير القهوة أقلّ دفئًا،

والبطانيات

مجرّد حِيَلٍ مؤقّتة،

ويصير السؤال

أكثر حرارةً

من الجواب.


( ١١ )

هذا البرد أكرهه،

لأنه يشبه بعض البشر

بارد الملامح،

حادّ الحواف،

لا يمنح الدفء

إلّا بعد أن يُؤلم،

ويَسِمُ الحروف

بزرقةٍ لا تزول.


( ١٢ )

هذا البرد أكرهه،

لأنّه يمرّ على الذاكرة

كما تمرّ الريح على الرماد؛

لا تُبقي شكلًا،

ولا اعترافًا،

وتأخذ معها

ما تبقّى من صوت

كان يقول لنا:

هنا كنّا…

وهنا حلمنا.


( ١٣ )

هذا البرد .. أكرهه

لأنّه يعلّمني كلّ شتاء

أنّ الدفء

ليس فصلًا،

بل كائنًا،

إذا غاب

تجمّد كلّ شيء


( ١٤ )

هذا البرد

وشم جلود الطفولة بالزرقة،

ترك أرواحهم بلا معاطف،

وأصابعهم

تبحث عن قفّازات

حاكتها الأمّهات ليلًا

من وجع الصبر.


( ١٥ )

البرد

يربح معارك الشتاء دوماً

و تخسر الإنسانية

آخر معاطفها،

حين يصبح النوم ترفًا،

والدفء وعدًا مؤجّلًا


( ١٦ )

هذا البرد

سيغادر يومًا،

لكنّي لن أودّعه.

سألعنه،

كي لا يعرف

طريق العودة ثانيةً،

ولا يحفظ

عناوين بيوت الفقراء.


( ١٧ )

سألعنه

لأنّه لم يكن فصلًا،

بل امتحانًا قاسيًا

للمشرّدين بلا بيوت،

للذين يلتحفون

مخيّمات الإنسانيّة العارية،

الإنسانيّة المخجلة.


( ١٨ )

هذا البرد سيرحل قريبًا،

وأنا سأبقى

أغلق الأبواب خلفه،

وأترك للدفء نافذة

يدخل منها

بلا خوف،

وبلا اعتذار.


( ١٩ )

هذا البرد

لا أحبّه،

لأنّه يعلّم العالم

كيف يغتال أطفال المخيّمات ،

يسحب الدفءَ من صدورهم

كما تُسحب الروح

من ضجيج الحرب،


( ٢٠ )

الصقيعٍ بلا قلب

لايرحم ضحاياه

يخلّف بعده دوماً

عيونًا مفتوحة

لم تُكمل الحلم،

أرادت أن توقظ الضمير

فنامت إلى الأبد


د. عبد الكريم الحلو

@highlight 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

Featured Post

ماذا بعد؟..بقلم: راتب كوبايا

ثقافات