همس الثلج الأبيض * بقلم كريم إينا

 




همس الثلج الأبيض *

كريم إينا

هطولَ الثلجِ يُمسكني بأرضي

وأغفى الضجُّ في ليلِ النهارِ

وغطّى الجرح حتى عادَ نبضاً

يُجاوبُ في البيوتِ حديثَ أسرارِ

تهادى فوقَ أغصانِ الرُبى حُلْماً

فأزهرَ في سُكونٍ إخضرارِ

توقّفَ عندهُ وقعُ الخطوبِ

لتلكَ القسوةُ بعدَ إختدارِ

كأنّ الليلَ وعدُ الصبحِ يأتي

إذا أعيَتْ قلوبٌ بإنتظارِ

تهادتْ رقائقهُ على جبلٍ

فغاص الدفءُ في أرضٍ نضيرِ

وإرتجفتْ جزيراتٌ على الهادىء

فصارَ النهرُ يحملُ سرّهُ الغمرِ

تجلّت أَرضُنا من فرحةِ الثلجِ

وإزدادَ الهواء بشهقة النمرِ

تَراقصَتِ الطيورُ بهطلةِ الثلجِ

وإنتشرت على الأرضِ السديرِ

.......................................

* القصيدة بمناسبة سقوط الثلج في بغديدا وهي على بحر الوافر. ( مفاعلتنْ، مفاعلتنْ، فعولنْ). أغفى: نامَ، الضجَّ: الضجيج، الرُبى: تلال صغيرة مرتفعة في الأرض، الخطوب: المصائب، إختدار: الهدوء والإنطفاء، أعيّتْ: أرهقت، تهادت: تحركت بلطف، نضيرِ: أخضر وخصب، الهادىء: الساكن، الغمرِ: الإمتلاء بالماء، تجلّتْ: ظهرت وأشرقتْ، السدير: نوع من الأشجار السدر.


مرايا الزمهرير بقلم: د.عبدالكريم الحلو





مرايا الزمهرير

د.عبدالكريم الحلو


( ١ )

سياج بيتي

يتذكّر ظهري

حين أتكئ عليه،

يلسعني البرد

يحرق جلدي،


( ٢ )

هذا البرد

يعرف طريقه

إلى ذاكرتي

يدخل قفص القلب

يفتح أدراج الذكرى

ويغوص في دهاليز الروح

ينبش جروح العمر

جرحًا… جرحًا


( ٣ )

أنا لا أحب البرد

ففيه تتجمّد أحلام العمر

ويبقى حلم الدفء

أجمل أحلامي

وأبعدها


( ٤ )

هذا البرد

يفتش بين اضلعي

مثل مخبرٍ قديم،

في دفاتر الحب

عن ومضة دفء

كنتُ قد خبّأتها

ودثّرتها

وواريتها التراب

وأقمتُ فوقها شاهدةً

اسمها

سارية الوطن


( ٥ )

في البرد

كل شيء له صوت ولون

لحسرات الروح صوت

وللوجع لونٌ أزرق

لا تخطئه العين


( ٦ )

في هذا البرد

كلّ الكائنات الحية بلا صوت،

إلّا شواهد القبور

لها صرير خاص

النافذة تئنّ

من زمهرير البرد

والأشجار تصرخ

في صفير الريح

كأنّها تنعى العصافير


( ٧ )

هذا البرد

عدوٌّ آخر للجندي

يتسلّل إلى الخنادق

قبل الرصاص

يجمّد الأصابع

ويعلّم البنادق

كيف تصمت طويلًا


( ٨ )

البرد

هذا القاتل السري أمقته

لأنّه يسرق أرواح الأجداد

ولا يترك منهم

سوى أسماء

على شواهد باردة


( ٩ )

هذا البرد

يسرق قصص الجدّات

يُطفئ مواقد الحكايات

ويُسكت الأيدي

التي كانت تخيط الدفءَ

من الصبر

والدعاء


( ١٠ )

في البرد

تصير القهوة أقلّ دفئًا،

والبطانيات

مجرّد حِيَلٍ مؤقّتة،

ويصير السؤال

أكثر حرارةً

من الجواب.


( ١١ )

هذا البرد أكرهه،

لأنه يشبه بعض البشر

بارد الملامح،

حادّ الحواف،

لا يمنح الدفء

إلّا بعد أن يُؤلم،

ويَسِمُ الحروف

بزرقةٍ لا تزول.


( ١٢ )

هذا البرد أكرهه،

لأنّه يمرّ على الذاكرة

كما تمرّ الريح على الرماد؛

لا تُبقي شكلًا،

ولا اعترافًا،

وتأخذ معها

ما تبقّى من صوت

كان يقول لنا:

هنا كنّا…

وهنا حلمنا.


( ١٣ )

هذا البرد .. أكرهه

لأنّه يعلّمني كلّ شتاء

أنّ الدفء

ليس فصلًا،

بل كائنًا،

إذا غاب

تجمّد كلّ شيء


( ١٤ )

هذا البرد

وشم جلود الطفولة بالزرقة،

ترك أرواحهم بلا معاطف،

وأصابعهم

تبحث عن قفّازات

حاكتها الأمّهات ليلًا

من وجع الصبر.


( ١٥ )

البرد

يربح معارك الشتاء دوماً

و تخسر الإنسانية

آخر معاطفها،

حين يصبح النوم ترفًا،

والدفء وعدًا مؤجّلًا


( ١٦ )

هذا البرد

سيغادر يومًا،

لكنّي لن أودّعه.

سألعنه،

كي لا يعرف

طريق العودة ثانيةً،

ولا يحفظ

عناوين بيوت الفقراء.


( ١٧ )

سألعنه

لأنّه لم يكن فصلًا،

بل امتحانًا قاسيًا

للمشرّدين بلا بيوت،

للذين يلتحفون

مخيّمات الإنسانيّة العارية،

الإنسانيّة المخجلة.


( ١٨ )

هذا البرد سيرحل قريبًا،

وأنا سأبقى

أغلق الأبواب خلفه،

وأترك للدفء نافذة

يدخل منها

بلا خوف،

وبلا اعتذار.


( ١٩ )

هذا البرد

لا أحبّه،

لأنّه يعلّم العالم

كيف يغتال أطفال المخيّمات ،

يسحب الدفءَ من صدورهم

كما تُسحب الروح

من ضجيج الحرب،


( ٢٠ )

الصقيعٍ بلا قلب

لايرحم ضحاياه

يخلّف بعده دوماً

عيونًا مفتوحة

لم تُكمل الحلم،

أرادت أن توقظ الضمير

فنامت إلى الأبد


د. عبد الكريم الحلو

@highlight 

Featured Post

ماذا بعد؟..بقلم: راتب كوبايا

ثقافات