نزيفُ الظلال * كريم إينا

 




نزيفُ الظلال *

كريم إينا

جــريـــحٌ خلــفـــهُ ذِكْـــــرَى

يُـؤجِّــجُ فــي الحشـى جمـرا

وَيُـوقِـــظُ كــــــلَّ آهــــــــاتٍ

تُسافــرُ فـــي الدُجــى سِــرّا

تُحـــدِّثُ عــن خُـذولِ الناسِ

وإنْ خــانــوا الهـوى غـدرا

فمـــا نفـــعُ الجـــوى إن لـم

يُعَـلـــّـــِمْ قلـبنــــا صبـــــــرا

ومـــا نفــــعُ الأســى إن لَـمْ

يُــزِدْنـــا حكمــــةً تجـــــرى

نصــوغُ مـن الجـراحِ ضياءً

إذا مــــا أطبـقــــتْ عســــرا

ونمضـــي بيــــن أشــــــلاءٍ

لِنُحيـــي بعـــــدُ مـــا يُقــــرا

فــــإنَّ الـــــــدربَ مُعْتِمُـــــهُ

يجـــيءُ مــع الظـلامِ بِمَسْرا

ونحــــــنُ إذا قَسَــتْ دنيــــا

نُقــابِــــلُ قســـوتَهـا خُبْـــرا

نُــداوي بالـــرضـا جــــرحـاً

أبـــى أن يَنْـطَـــوي دَهْـــــرا

وتَسكُــنُ حُــرْقَـــةُ الذكـــرى

إذا مـــــا لامسَـــتْ صَـــــدْرا

وتَهـــــــدأُ ثـــــورةُ الأرواحِ

إذا أخْلَصْتَ للناسِ بالبشـرى

فمــــــا بــــــالُ القلــــوبِ إذا

تَنـاسَــــتْ حُبَّـــها فَتَـــــرى؟

تُحــاكِـــمُ مــــن جَفَـــا ظلمــاً

وتَحْسَـــــبُ غَفْلَــــها بُــــــرّا

وإنْ زادَ الخــــــداعُ دُجـــــىً

يُـــواري طُهـــرَ مَـــن يُسـرا

فثِـــــــــقْ أنّ الحـقيـقـــــةَ لا

تُجَــــامِـــلُ مــــن بهــا غَــرّا

وتبقَـى فــي عيــونِ الصـدقِ

كضـــوءِ الفجــــرِ إذ يَسْــرَى

تُبــعثِــرُ ظُلمَــــةَ الأوهــــــامِ

وتُحيـــي مــــا مضـى خُضْرا

وتــرســـــمُ للخطــــى أمــــلاً

يُـــــداري وَجْــــــدَهُ قَهْـــــرا

فنَـــمْ يـــا قلـــبُ فــي حضـنٍ

يُسـامِـــرُ حـزنَـــكَ التِبْــــــرَا

ولا تَخــشَ الخُطــــوبَ فَمَــنْ

تَجَـــــرَّعَ لَــوْعَـــها كبُــــــرا

يَــصِيــــــــرُ كنـــجمــــــةٍ إنْ

تَبَـسَّمَـــــتِ السَّمـــــــا بَــــرّا

ويمـــــضي في المــدى حُـراً

يُجــاهــــــدُ غربتــــةٍ حُـــــرّا

ويصنــعُ مــن شظايـا الأمسِ

بمــوجٍ يُشْعِـــــلُ البَــحْــــــرا

ويُــلْقِــي فــي هَـــواءِ الرُّوحِ

كنبـــــضٍ يُوقِــــــظُ العُمْــــرا

فـــإنَّ الجــــرحَ لــــو يصفــو

غَــــــدَاْ لِلحُـــــــبِّ مَنبَتَــــــرا

وإنْ خَــانَــــــــــتْهُ أطيــــــافٌ

تُقَلِّــــــبُ طَيْـــفَـــــهُ سِحْـــــرا

فــــــلا يَفْنــــى ولا يَخــــبـــــو

يُشِــــعُّ إذا بَكَـــــى الـــدُّهْــــرا

لأنَّ الضــــــــوءَ مــــن لَهَـــبٍ

يُقـــــــاوِمُ ظِلَّــــــــهُ قَصْــــــرا

فَكُـــنْ شَـمْـساً وإن ضـــاقَـــتْ

بِــوَجْهـــِكَ غُصَّـــــةُ الحَسْـــرا

وغلِّـــفْ حُـــزْنَـــكَ المعجـــونَ

بــإيـــمـــــانٍ إذا حَـــــــــــــــزَّا

فــــإنَّ النفــــسَ إن طــابــــــتْ

تُحِيــــــــــلُ غــرائبـــــاً تِبْــــرا

.............................

* هذه القصيدة من مجزوء بحر الوافر ( مُفاعِلْتُن / مُفاعِلْتُن ). يُؤججُ: يُلهبُ، الحشى: باطن الصدر والقلب، الدُجى: الظلام، الجوى: شدّة الحزن، عُسرَا: شدّة وضيق، بمسرا: بسهولة، خُبْراً: علماً، أبى: إمتنع، بُرّا: إحساناً وطاعة، يُواري: يُخفي ويستر، غَرّا: ناصع البياض، يَسرى: يتحرك ليلاً خفيةً، التبر: الذهب الخالص، الخطوب: المصائب، مُنبترا: مبتور ومنقطع، قصراً: إكراهاً وجبراً، حزّاْ: القطع الشديد.


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

Featured Post

ماذا بعد؟..بقلم: راتب كوبايا

ثقافات