في حضرة الغائب الحاضر بقلم: الشاعر كريم إينا

 




في حضرة الغائب الحاضر *

كريم إينا

يـا زاهراً في خفوتِ الحبرِ مـا أحتجباْ

بكَ إقتضى الموتُ صمتاً كانَ قد وَجَبَاْ

وتــمّ فيــكَ الإلــــهُ الــوعـدَ فإنتقلـــتْ

روحٌ إلـى الأُفُـقِ، لا خـوفٌ ولا رَهَبـاْ

في مهرجـانِ الحبوبيــنَ كنـــتَ لهـــم

شمساً، وفــي غفلــةٍ أصبحتَ مغترباْ

لا زلــتَ تغفــو، وشِعركَ البهيّ صحاْ

عند الصباح، طلوعُ الشمسِ ما غرباْ

تـــرى بنـيَّ سديــــرٍٍ كيــــفَ غابتنــا؟

وكيـــفَ صـار الثرى لغائــبٍ مركباْ؟!

آهٍ علـــى قبـــــــركَ الصغيــــرِ، إنّـــهُ

بابُ السمــاءِ، لمـن في الشعرِ قد كتباْ

يــا مـــن تفيّـأتُ فــي ظلالكَ المقصـدا

وَصغـــتُ نبضـيَ إحساسًا بمـــا كَتبـــاْ

كُنــــتَ الـــذي يمنـحُ الأمـواتَ يقظتهم

مقـــابـرٌ أصبحـــتْ أرواحــها سُحُبــــاْ

كــم قلــتَ: "الشعرُ بيتُ اللهِ فـي فتنٍ"

فكــــانَ صـــدركَ للأرواحِ مضطربـــاْ"

حياتُنــا مـــدحُ مــن مرّوا، فَكـُـنْ عَلَمـاً

كنّــا سواسيــــةً: إبنـــاً، وكنــــتَ أبــــاْ

أفـــقْ بشعــركَ، شعــريَ اليـــومَ مبتهلٌ

وإنْ سَكَــــتُ، فشعراً عنـــكَ قــــد خطباْ

مَــــنْ ذا يجمّعُنـــا فــــي مربــــدِ الكَلِـمِ؟

ومـــن يُخفّــفُ عـــن أرواحنـا النُصبـــاْ

لـــولاكَ مـــا رفرفَ الإيقـــاعُ فــي فتــنٍ

ولا تهــادتْ بحــــورُ الشعـــرِ والطربـــاْ

كنــتَ الحصيفَ، المُنيبَ الحُـرَّ إنْ نَطقُوا

واليـــومَ نَبكيــكَ مـــن وجـــدٍ ومـن كُربَاْ

تَبكيــــــكَ أرصفــــــةُ الأرواحِ باكيــــــــةًٌ

مــــن شــدّةِ البُعدِ، والأحزانِ مــا أنسحباْ

لكنّــــهُ الشعـــــرُ يـــا زهيـــــرُ أرهقنـــيْ

تـــاهَ الطريـــقُ، وجــفَّ الحــرفُ وأنقلبـاْ

لا الشعــرُ يُضحكنـي، لا الحـرفُ يسعدني

مـــن بعــــدِ فقـدكَ، صـــار اللحــنُ مكتئباْ

أيــــنَ الحروفُ التــي ماتـــت وإزدهرتْ؟

أيــــن القوافــي التـي تمشـي بهـا الأدبـاْ؟

قــــد كنــتَ فــي جمعنـا صــدراً ومَحــبرةً

واليـــــومَ فينـــا وجيـــبُ الحـزنِ قـد غلباْ

لـــــو كـــــانَ يُكتـــــبُ بالأرواح مرثيـــــةٌ

كتبــــتُ قلبــــي، ومــــا أخفيتـــــهُ هربـــاْ

يــــا نـاعـــــمَ الصــوتِ، يـا عذباً بلا كَلَفٍ

يــــا مـــن هجـرتَ الدُنـا، والقلبُ ما ذهبـاْ

كُنـّـــا نـــراكَ ضيـــــــاءً فـــــي محافلِنــــا

فكيـــفَ نكتـــبُ والأنفــاسُ مضطـــــــرباْ؟

فــــي الشعــــرِ كُنــــتَ نبيًّــــاً لا يُشاكلنـــا

واليـــــومَ صِــرْتَ علـــى الآفــاقِ منتسبـاْ

قـــد بـــاركَ اللهُ فــــي أشعـــاركَ الملهمــهْ

بهــــا القلـــــوبُ، فقـــد صارتْ لنــا أدبـــاْ

كـــم مـــن يتيــمٍ سقــاهُ النـــصُّ منكَ هدىً

وكــــــم فقيــــــرٍ رآكَ الفكـــــــرَ والعُجبـــاْ

إنّــــي لأذكــــرُ وجـــــهَ النـــورِ مبتسمـــاً

يأتـــي كنسمــةِ صبـــحٍ تمــــــلأُ الهُدُبـــــاْ

يـــا مــــن نثـــرتَ لنـــا القصــائدَ الزاخره

كالمـزنِ يهـطلُ إعصـــــــاراً لمـــن طلبـــاْ

تبـــكي عليــكَ المــدى، والليـلُ، والزمــنُ

والحبــــرُ، والكتــبُ، والأفكــارُ، والنجبــاْ

ســـلِ القوافـــي علــــى أطلالِــك الوجِعَــهْ

والمــــوتُ مـــا زالَ فـــي وجــدانِنا رُعبــاْ

لكـــــــنّ ذكـــــــراكَ تبقـــى كـــــي نردّدها

مــــــا دامَ فينــــــا حنيــنٌ بالحشـــا لَهَبـــاْ

فاذهــــــبْ بنــــا فالشعـــرُ الآن يرتحـــــلُ

يســــري كنجــــمٍ، وفــــي آفاقنـــا شُهُبـــاْ

......................................

* رثاء للشاعر الكبير المرحوم زهير بهنام بردى، القصيدة من بحر البسيط ( مستفعلنْ، فاعلنْ، مستفعلنْ، فاعلنْ). الحصيف: العاقل الرزين، المنيف: التائب لله، كُربا: الشدّة والضيق. النجُبا: الكرام من الناس


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

Featured Post

ماذا بعد؟..بقلم: راتب كوبايا

ثقافات